في لحظة واحدة، في ثانية لا تتجاوز رمشة عين، تحوّل إبراهيم دياز من لاعب حمل آمال أمة كاملة إلى متهم في محكمة الشارع، محكمة لا تعترف بالأدلة ولا بالمنطق، بل تحاكم بالعاطفة، وتصدر أحكامها تحت تأثير الصدمة والغضب وخيبة الأمل.
ركلة جزاء ضائعة…
لكن العاصفة التي تلتها لم تكن رياضية، بل أخلاقية، إعلامية، ونفسية.
من الخطأ الرياضي إلى نظرية المؤامرة
بعد المباراة مباشرة، لم يتوقف النقاش عند:
هل أخطأ دياز؟
بل قفز البعض مباشرة إلى سؤال أخطر:
هل تعمّد إضاعة ركلة الجزاء؟
وهنا يبدأ الانحدار.
اتهام لاعب دولي بالتعمد ليس رأيًا، بل تشويه سمعة، واغتيال معنوي، وطعن في شرف منتخب كامل. هو اتهام يفترض خيانة، تواطؤًا، بيعًا للمباراة، وتضحية متعمدة بحلم تاريخي لملايين الجماهير.
والسؤال الجوهري:
أين الدليل؟
لا فيديو، لا اعتراف، لا تسريب، لا منطق… فقط خيال جامح غذّاه الغضب.
ركلات الجزاء: أكبر كذبة اسمها “ركلة مضمونة”
من يزعم أن ركلة الجزاء هدف مضمون إما لا يفهم كرة القدم، أو يتجاهل تاريخها عمدًا.
ركلات الجزاء في اللحظات الحاسمة هي:
-
اختبار أعصاب قبل أن تكون اختبار مهارة
-
صراع داخلي بين العقل والخوف
-
مواجهة فردية بين لاعب وضغط أمة كاملة
أضاعها:
-
ميسي
-
رونالدو
-
باجيو
-
هنري
-
صلاح
-
محرز
هل كل هؤلاء خونة؟
هل كلهم تآمروا؟
أم أن الحقيقة أبسط وأقسى:
الإنسان يخطئ… حتى في أعلى القمم.
فرضية “التعمد”… لماذا هي عبثية ومنهارة منطقيًا؟
لنفترض – جدلًا – أن دياز تعمّد الإضاعة. ماذا يعني ذلك؟
-
خيانة ملايين المغاربة داخل وخارج الوطن
-
المشاركة في مؤامرة معقّدة تتطلب صمت لاعبين، طاقم فني، إدارة، وحكام
-
التضحية بلقب تاريخي وشرف كروي مقابل… ماذا بالضبط؟
-
تدمير مسيرته الدولية وسمعته الاحترافية بيده
أي عقل يقبل بهذا السيناريو؟
المنتخب المغربي:
-
قاتل طوال البطولة
-
لعب بروح عالية
-
كان قريبًا من التتويج أكثر من أي وقت مضى
فهل يعقل أن كل هذا الجهد والعرق والدم يُرمى في لحظة بتواطؤ ساذج؟
من المستفيد؟
السؤال الذي يفضح كل نظرية مؤامرة:
من المستفيد؟
المغرب؟
-
خسر فرصة تأهل مباشر
-
خسر لقبًا كان في المتناول
السنغال؟
-
الخروج بهذه الطريقة كان سيعني عقوبات قاسية
إذن… لا أحد.
نظرية بلا مستفيد = كذبة.
المشكلة الحقيقية: ثقافة جلد الذات
ما حدث يكشف مشكلة أعمق من ركلة جزاء:
ثقافة البحث عن خائن بدل الاعتراف بالألم.
بدل أن نقول:
“خسرنا بشرف، وسنعود أقوى”
اخترنا الطريق الأسهل:
“لا بد أن أحدهم خاننا”
وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب أي منتخب:
أن يفقد لاعبه الثقة في جمهوره.
إبراهيم دياز ليس ملاكًا… لكنه ليس خائنًا
نعم، أخطأ.
نعم، أضاع فرصة تاريخية.
نعم، الألم مشروع.
لكن:
-
الخطأ لا يساوي الخيانة
-
الإخفاق لا يعني التآمر
-
النقد لا يعني الإعدام المعنوي
إبراهيم دياز سيبقى لاعبًا دوليًا شجاعًا تجرأ على تسديد ركلة في لحظة كان كثيرون سيهربون منها.
الخلاصة: إما أن نرتقي… أو نستمر في الهدم
ما حدث درس قاسٍ، لكن الأخطر ليس ضياع ركلة جزاء،
الأخطر هو ضياع العقل، وضياع العدل، وضياع الثقة بين المنتخب وجماهيره.
كرة القدم تُربح وتُخسر.
الأمم تُبنى بالدعم لا بالاتهام.
والتاريخ لا يرحم من يطلق التهم دون دليل.
دعونا نختلف… لكن بعقل.
نغضب… لكن بعدل.
نخسر… دون أن نخون بعضنا البعض.
